السيد محمد باقر الصدر

47

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

جزءٌ من كيانه الخاصّ . وهذه الاستعدادات التي تهيّئ الإنسان للالتذاذ بتلك المتع المتنوّعة ، تختلف في درجاتها عند الأشخاص ، وتتفاوت في مدى فعليّتها باختلاف ظروف الإنسان وعوامل الطبيعة والتربية التي تؤثّر فيه . فبينما نجد أنّ بعض تلك الاستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعية ، كاستعداده للالتذاذ الجنسي مثلًا ، نجد أنّ ألواناً أخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان ، وتظلّ تنتظر عوامل التربية التي تساعد على نضجها وتفتّحها . وغريزة حبّ الذات من وراء هذه الاستعدادات جميعاً ، تحدّد سلوك الإنسان وفقاً لمدى نضج تلك الاستعدادات . فهي تدفع إنساناً إلى الاستئثار بطعام على آخر وهو جائع ، وهي بنفسها تدفع إنساناً آخر لإيثار الغير بالطعام على نفسه ؛ لأنّ استعداد الإنسان الأوّل للالتذاذ بالقيم الخُلُقية والعاطفية الذي يدفعه إلى الإيثار كان كامناً ، ولم تتح له عوامل التربية المساعدة على تركيزه وتنميته . بينما ظفر الآخر بهذا اللون من التربية ، فأصبح يلتذّ بالقيم الخُلُقية والعاطفية ، ويضحّي بسائر لذّاته في سبيلها . فمتى أردنا أن نغيّر من سلوك الإنسان شيئاً ، يجب أن نغيّر من مفهوم اللذّة والمنفعة عنده ، وندخل السلوك المقترح ضمن الإطار العامّ لغريزة حبّ الذات . فإذا كانت غريزة حبّ الذات بهذه المكانة من دنيا الإنسان ، وكانت الذات في نظر الإنسان عبارة عن طاقة مادّية محدودة ، وكانت اللذّة عبارة عمّا تهيّئه المادّة من متع ومسرّات ، فمن الطبيعي أن يشعر الإنسان بأنّ مجال كسبه محدود ، وأنّ شوطه قصير ، وأنّ غايته في هذا الشوط أن يحصل على مقدار من اللذّة المادّية . وطريق ذلك ينحصر بطبيعة الحال في عصب الحياة المادّية وهو : المال الذي يفتح أمام الإنسان السبيل إلى تحقيق كلّ أغراضه وشهواته . هذا هو التسلسل الطبيعي في المفاهيم المادّية الذي يؤدّي إلى عقلية